ابن كثير

363

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

القاسم بن محمد عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : ما أعجب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقى ، تفرد به أحمد . وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ أي عليم بكم خبير بأموركم ، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء ، ويرحم من يشاء ، ويعذب من يشاء ، ويفضل من يشاء على من يشاء ، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله ، وقد استدل بهذه الآية الكريمة وهذه الآحاديث الشريفة من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط ولا يشترط سوى الدين لقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وذهب الآخرون إلى أدلة أخرى مذكورة في كتب الفقه ، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في ( كتاب الأحكام ) وللّه الحمد والمنة ، وقد روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلا من بني هاشم يقول : أنا أولى الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال غيره : أنا أولى به منك ولك منه نسبة . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 14 إلى 18 ] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 15 ) قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 16 ) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، ويدل عليه حديث جبريل عليه الصلاة والسلام حين سأل عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان ، فترقى من الأعم إلى الأخص ثم للأخص منه . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي اللّه عنهما قال : أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا ، فقال سعد رضي اللّه تعالى عنه : يا رسول اللّه أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا ، وهو مؤمن ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أو مسلم ؟ حتى أعادها سعد رضي اللّه عنه ثلاثا والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : أو مسلم ؟ ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي منهم ، فلا أعطيه شيئا

--> ( 1 ) المسند 1 / 176 .