ابن كثير

348

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم في هذه الآية أنها أنزلت في الوليد بن عقبة ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ أي اعلموا أن بين أظهركم رسول اللّه فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره ، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم ، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال تبارك وتعالى : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ الأحزاب : 6 ] ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال : لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم ، كما قال سبحانه وتعالى : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [ المؤمنون : 71 ] وقوله عز وجل : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ أي حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا بهز حدثنا علي بن مسعدة ، حدثنا قتادة عن أنس رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « الإسلام علانية والإيمان في القلب - قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول - التقوى هاهنا التقوى هاهنا » وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أي وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار والعصيان ، وهي جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة ، وقوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ أي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم اللّه رشدهم . قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال : لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « استووا حتى أثني على ربي عز وجل » فصاروا خلفه صفوفا فقال صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم لك الحمد كله ، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لمن أضللت ، ولا مضل لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مباعد لما قربت . اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك ، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول . اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن من يوم الخوف . اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا . اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين . اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين ، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك ، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله

--> ( 1 ) المسند 3 / 134 ، 135 . ( 2 ) المسند 3 / 424 .