ابن كثير
337
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار ، رحيما برا بالأخيار ، غضوبا عبوسا في وجه الكافر ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [ التوبة : 123 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » « 2 » . وشبك صلى اللّه عليه وسلم بين أصابعه ، كلا الحديثين في الصحيح . وقوله سبحانه وتعالى : تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال ، ووصفهم بالإخلاص فيها للّه عز وجل والاحتساب عند اللّه تعالى جزيل الثواب ، وهو الجنة المشتملة على فضل اللّه عز وجل وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم ، وهو أكبر من الأول كما قال جل وعلا : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] . وقوله جل جلاله : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ يعني السمت الحسن « 3 » . وقال مجاهد وغير واحد : يعني الخشوع والتواضع . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن منصور عن مجاهد سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال : الخشوع . قلت : ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه ، فقال : ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون . وقال السدي : الصلاة تحسن وجوههم ، وقال بعض السلف : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ، وقد أسنده ابن ماجة في سننه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى عن شريك ، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار » « 4 » والصحيح أنه موقوف . وقال بعضهم : إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس . وقال أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللّه تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه ، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع اللّه تعالى أصلح اللّه عز وجل ظاهره للناس ، كما
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 27 ، ومسلم في البر حديث 66 ، 67 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المظالم باب 5 ، ومسلم في البر حديث 65 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 11 / 370 . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة في الإقامة باب 174 .