ابن كثير
318
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فقالوا : لا ، فخلى سبيلهم فأنزل اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً الآية رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، حدثنا جعفر عن ابن أبزى قال : لما خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر رضي اللّه عنه : يا نبي اللّه ، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع ؟ قال : فبعث صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله ، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى ، فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة ، فقال لخالد بن الوليد رضي اللّه عنه : « يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل » فقال خالد رضي اللّه عنه : أنا سيف اللّه وسيف رسوله ، فيومئذ سمي سيف اللّه ، فقال : يا رسول اللّه ابعثني أين شئت ، فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ، فأنزل اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ - إلى قوله تعالى - عَذاباً أَلِيماً قال فكف اللّه عز وجل النبي صلى اللّه عليه وسلم عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل . ورواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه ، وهذا السياق فيه نظر فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية ، لأن خالدا رضي اللّه عنه لم يكن أسلم بل قد كان طليعة المشركين يومئذ ، كما ثبت في الصحيح ، ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء لأنهم قاضوه على أن يأتي في العام المقبل فيعتمر ، ويقيم بمكة ثلاثة أيام ، ولما قدم صلى اللّه عليه وسلم لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه . فإذا قيل : فيكون يوم الفتح ؟ فالجواب : ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هديا ، وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم ، فهذا السياق فيه خلل وقد وقع فيه شيء فليتأمل واللّه أعلم . وقال ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس رضي اللّه عنه قال : إن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين ، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصيبوا من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا ، فأتي بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم ، وقد كانوا رموا إلى عسكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحجارة والنبل . قال ابن إسحاق : وفي ذلك أنزل اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ الآية . وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية ، فرماه المشركون بسهم فقتلوه ، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيلا
--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 356 .