ابن كثير

316

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 20 إلى 24 ] وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 20 ) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 21 ) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 22 ) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ( 23 ) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 24 ) قال مجاهد في قوله تعالى : وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها هي جميع المغانم إلى اليوم فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني فتح خيبر ، وروى العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني صلح الحديبية « 1 » وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أي لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال ، وكذلك كف أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي يعتبرون بذلك ، فأن اللّه تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم ، وليعلموا بصنيع اللّه هذا بهم إنه العالم بعواقب الأمور ، وإن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر كما قال عز وجل وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته ، وموافقتكم رسوله صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تبارك وتعالى : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً أي وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا لم تكونوا تقدرون عليها ، قد يسرها اللّه عليكم وأحاط بها لكم ، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون ، وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها فقال العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما هي خيبر ، وهذا على قوله عز وجل : فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ إنها صلح الحديبية ، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال قتادة : هي مكة واختاره ابن جرير « 2 » ، وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري : هي فارس والروم ، وقال مجاهد : هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة . وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة عن سماك الحنفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها قال : هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم . وقوله تعالى : وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يقول عز وجل مبشرا لعباده المؤمنين ، بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر اللّه رسوله وعباده المؤمنين عليهم ، ولا نهزم جيش الكفر فارا مدبرا لا يجدون وليا ولا نصيرا ، لأنهم محاربون للّه ولرسوله ولحزبه المؤمنين . ثم قال تبارك وتعالى : سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي هذه سنة اللّه وعادته في خلقه ، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن إلا نصر اللّه

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 11 / 351 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 353 .