ابن كثير
292
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله عز وجل : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ هذا إخبار بأنه لا إله إلا اللّه ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك ، ولهذا عطف عليه قوله عز وجل : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وفي الصحيح : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي » « 1 » . وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة « اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت ، وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا إله إلا أنت » « 2 » وفي الصحيح أنه قال : « يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة » « 3 » . وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن عاصم الأحول قال : سمعت عبد اللّه بن سرجس قال : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأكلت معه من طعامه فقلت غفر اللّه لك يا رسول اللّه فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ولك » فقلت أستغفر لك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « نعم ولكم » وقرأ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثم نظرت إلى نغض كتفه « 4 » الأيمن - أو كتفه الأيسر شعبة الذي شك - فإذا هو كهيئة الجمع عليه الثآليل « 5 » ، ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن عاصم الأحول به ، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى : حدثنا محمد بن عون ، حدثنا عثمان بن مطر ، حدثنا عبد الغفور عن أبي نصيرة عن أبي رجاء عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « عليكم بلا إله إلا اللّه والاستغفار ، فأكثروا منهما فإن إبليس قال : إنما أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا اللّه والاستغفار ، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء ، فهم يحسبون أنهم مهتدون » . وفي الأثر المروي « قال إبليس وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم . فقال اللّه عز وجل : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني » « 6 » والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدا . وقوله تبارك وتعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ أي يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم كقوله تبارك وتعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ الأنعام : 60 ] وكقوله سبحانه وتعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ هود : 60 ] وهذا القول ذهب
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الدعوات باب 61 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 8 ، 24 ، ومسلم في المسافرين حديث 201 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الدعوات باب 3 . ( 4 ) نغض الكتف : أعلى الكتف وقيل : هو العظم الرقيق الذي على طرفه . ( 5 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 82 . ( 6 ) أخرجه في المسند 3 / 29 ، 41 ، 76 .