ابن كثير
285
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ اللّه تعالى قلوب أقوام ، فيقاتلونهم ويرزقهم اللّه منهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك ، ألا إن عقد دار المؤمنين بالشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة » « 1 » وهكذا رواه النسائي من طريقين عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل السكوني به . وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان رضي اللّه عنه قال : لما فتح على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتح قالوا يا رسول اللّه سيبت الخيل ووضعت السلاح ووضعت الحرب أوزارها قالوا لا قتال قال : « كذبوا الآن جاء القتال ، لا يزال اللّه تعالى يرفع قلوب قوم يقاتلونهم فيرزقهم منهم حتى يأتي أمر اللّه ، وهم على ذلك وعقر دار المسلمين بالشام » . وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به ، والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نفيل كما تقدم ، وهذا يقوي القول بعدم النسخ كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب . وقال قتادة حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها حتى لا يبقى شرك ، وهذا كقوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ الأنفال : 39 ] . ثم قال بعضهم : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أي أوزار المحاربين وهم المشركون بأن يتوبوا إلى اللّه عز وجل ، وقيل أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة اللّه تعالى . وقوله عز وجل : ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي هذا ولو شاء اللّه لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ أي ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم ، ويبلو أخباركم كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي آل عمران وبراءة في قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ آل عمران : 142 ] . وقال تبارك وتعالى في سورة براءة : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ التوبة : 14 - 15 ] ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ أي لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها . ومنهم من يجري عليه عمله في طول برزخه ، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 2 » في مسنده حيث قال : حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي ، حدثنا ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يعطى الشهيد ست خصال : عند أول قطرة من دمه تكفر عنه كل خطيئة ، ويرى مقعده من
--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الخيل باب 7 . ( 2 ) المسند 4 / 200 .