ابن كثير
274
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فدعوت اللّه تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاما » أخرجه البخاري « 1 » في صحيحه عن موسى بن إسماعيل عن عمرو بن يحيى بإسناده قريبا منه ، فهذا يدل على ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك وسنذكر إن شاء اللّه تعالى ما يدل على تكرار ذلك . وقد روى ابن عباس غير ما ذكر عنه أولا من وجه جيد ، فقال ابن جرير « 2 » : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الحميد الحماني ، حدثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ الآية . قال : كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين ، فجعلهم رسول اللّه رسلا إلى قومهم . فهذا يدل على أنه روى القصتين . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا سويد بن عبد العزيز ، حدثنا رجل سماه عن ابن جريج عن مجاهد وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ الآية ، قال كانوا سبعة نفر ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين ، وكانت أسماؤهم حيي وحسى ومنيثي وشاضر وماضر والأردوابيان والأحقم ، وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال له بنو الشيصبان وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا ، وهم كانوا عامة جنود إبليس . وقال سفيان الثوري عن عاصم عن ذر عن ابن مسعود رضي اللّه عنه كانوا تسعة أحدهم زوبعة ، أتوه من أصل نخلة ، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر ، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة ، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان ، وقيل : كانوا ثلاثمائة ، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا ، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلى اللّه عليه وسلم . ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري « 3 » في صحيحه : حدثنا يحيى بن سليمان حدثني ابن وهب ، حدثني عمر هو ابن محمد قال : إن سالما حدثه عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما قال : ما سمعت عمر رضي اللّه عنه يقول لشيء قط إني لأظنه هكذا إلا كان كما يظن بينما عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه جالس إذ مر به رجل جميل فقال : لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم ، علي بالرجل ، فدعي له ، فقال له ذلك فقال : ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال : كنت كاهنهم في الجاهلية قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ، قال : بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت : [ السريع ] ألم تر الجنّ وإبلاسها * ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها « 4 »
--> ( 1 ) كتاب مناقب الأنصار باب 32 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 297 . ( 3 ) كتاب مناقب الأنصار باب 35 . ( 4 ) يروي البيت : ألم تر الجن وإبلاسها * وشدّ العيس بأحلاسها وهو لسواد بن قارب في لسان العرب ( عيس ) وبلا نسبة في لسان العرب ( أنس ) ، ( بلس ) ، والإبلاس : التحير والدهشة ، والقلاص ، جمع قلوس ، وهي الناقة الشابة ، والأحلاس جمع حلس : وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب .