ابن كثير
268
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
نصيبين ، وهذا صحيح ، ولكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر ، لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما المذكور ، وخروجه صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف كان بعد موت عمه ، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره ، واللّه أعلم ، وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : هبطوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا قال صه ، وكانوا تسعة وأحدهم زوبعة ، فأنزل اللّه عز وجل : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ - إلى - ضَلالٍ مُبِينٍ فهذا مع الأول من رواية ابن عباس رضي اللّه عنهما يقتضي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة ، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم ، ثم بعد ذلك وفدوا إليه إرسالا قوما بعد قوم وفوجا بعد فوج ، كما ستأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار مما سنوردها إن شاء اللّه تعالى وبه الثقة . فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبي قدامة عبيد اللّه بن سعيد السرخسي ، عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن مسعر بن كدام ، عن معن بن عبد الرحمن ، قال : سمعت أبي يقول : سألت مسروقا من آذن النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة استمعوا القرآن ؟ فقال : حدثني أبوك يعني ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه آذنته بهم شجرة « 1 » ، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات واللّه أعلم ويحتمل أن يكون في المرة الأولى ، ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة أي أعلمته باستماعهم ، واللّه أعلم . قال الحافظ البيهقي : وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي اللّه عنهما إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلمت حاله ، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم ، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى اللّه عز وجل كما رواه عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه . [ ذكر الروايات عنه بذلك ] قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا داود عن الشعبي وابن أبي زائدة ، أخبرنا داود عن الشعبي عن علقمة قال : قلت لعبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : هل صحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد ؟ فقال : ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب 32 ، ومسلم في الصلاة حديث 153 . ( 2 ) المسند 1 / 436 .