ابن كثير
247
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ولهذا قال تعالى : ساءَ ما يَحْكُمُونَ وقال عز وجل : وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي بالعدل وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . ثم قال جل وعلا : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي إنما يأتمر بهواه ، فما رآه حسنا فعله وما رآه قبيحا تركه ، وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين ، وعن مالك فيما روي عنه من التفسير لا يهوي شيئا إلا عبده ، وقوله : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ يحتمل قولين : أحدهما وأضله اللّه لعلمه أنه يستحق ذلك ، والآخر وأضله اللّه بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه . والثاني يستلزم الأول ولا ينعكس وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً أي فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئا يهتدي به ولا يرى حجة يستضيء بها . ولهذا قال تعالى : فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ كقوله تعالى : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأعراف : 186 ] . [ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 24 إلى 26 ] وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 24 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 26 ) يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا أي ما ثم إلا هذه الدار ، يموت قوم ويعيش آخرون ، وما ثم معاد ولا قيامة ، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد ، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم ، وهم ينكرون البداءة والرجعة ، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع ، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه ، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى ، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ولهذا قالوا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ قال اللّه تعالى : وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي يتوهمون ويتخيلون . فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول تعالى يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره » « 1 » وفي رواية « لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر » « 2 » وقد أورده ابن جرير « 3 » بسياق غريب جدا فقال : حدثنا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 45 ، باب 1 ، والتوحيد باب 35 ، ومسلم في الألفاظ حديث 2 ، 3 ، وأبو داود في الأدب باب 169 ، وأحمد في المسند 2 / 238 ، 272 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 299 ، 311 . ( 3 ) تفسير الطبري 11 / 264 .