ابن كثير

245

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وروى ابن جرير « 1 » من طريق العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ كل شيء هو من اللّه . وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه ، فذلك جميعا منه ولا ينازعه فيه المنازعون ، واستيقن أنه كذلك . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا الفريابي عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي أراكة قال : سأل رجل عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما قال : مم خلق الخلق ؟ قال : من النور والنار والظلمة والثرى . قال : وائت ابن عباس رضي اللّه عنهما فاسأله ، فأتاه فقال له مثل ذلك ، فقال : ارجع إليه فسله مما خلق ذلك كله . فرجع إليه فسأله فتلا وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ هذا أثر غريب وفيه نكارة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي يصفحوا عنهم ويتحملوا الأذى منهم وكان هذا في ابتداء الإسلام ، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب ليكون ذلك كالتأليف لهم ، ثم لما أصروا على العناد شرع اللّه للمؤمنين الجلاد والجهاد . هكذا روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وقتادة ، وقال مجاهد : لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لا ينالون نعم اللّه تعالى ، وقوله تبارك وتعالى : لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن اللّه عز وجل مجازيهم بأعمالكم السيئة في الآخرة ، ولهذا قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم عليه فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 16 إلى 20 ] وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 16 ) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 17 ) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 18 ) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ( 19 ) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 20 ) يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم وجعله الملك فيهم ، ولهذا قال تبارك وتعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي من المآكل والمشارب وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي في زمانهم وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ أي حججا وبراهين وأدلة قاطعات ، فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة ، وإنما كان ذلك بغيا منهم على بعضهم بعضا إِنَّ رَبَّكَ

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 255 .