ابن كثير

239

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يقول تعالى مخبرا عما يعذب به الكافرين الجاحدين للقائه : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ والأثيم : أي في قوله وفعله ، وهو الكافر ، وذكر غير واحد أنه أبو جهل ، ولا شك في دخوله في هذه الآية ، ولكن ليست خاصة به . قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ فقال : طعام اليتيم ، فقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : قل إن شجرة الزقوم طعام الفاجر أي ليس له طعام من غيرها ، قال مجاهد : ولو وقعت قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معيشتهم ، وقد تقدم نحوه مرفوعا ، وقوله : كَالْمُهْلِ قالوا : كعكر الزيت يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ أي من حرارتها ورداءتها ، وقوله : خُذُوهُ أي الكافر ، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية خُذُوهُ ابتدره سبعون ألفا منهم ، وقوله : فَاعْتِلُوهُ أي سوقوه سحبا ودفعا في ظهره ، قال مجاهد خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ أي خذوه فادفعوه ، وقال الفرزدق : [ الكامل ] ليس الكرام بناحليك أباهم * حتى تردّ إلى عطيّة تعتل « 1 » إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ أي وسطها ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ كقوله عز وجل : يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [ الحج : 19 - 20 ] وقد تقدم أن الملك يضربه بمقمعة من حديد ، فتفتح دماغه ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه ، فيسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمرق من كعبيه ، أعاذنا اللّه تعالى من ذلك . وقوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ أي قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أي لست بعزيز ولا كريم . وقد قال الأموي في مغازيه : حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال : لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا جهل لعنه اللّه فقال : « إن اللّه تعالى أمرني أن أقول لك ، أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [ القيامة : 34 - 35 ] قال : فنزع ثوبه من يده وقال : ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء ، ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم ، قال فقتله اللّه يوم بدر وأذله وعيره بكلمته وأنزل : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ . وقوله عز وجل : إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ كقوله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [ الطور : 13 - 15 ] ولهذا قال تعالى هاهنا : إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ .

--> ( 1 ) البيت في ديوان الفرزدق 2 / 160 ، وتفسير الطبري 11 / 245 .