ابن كثير
236
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
من المشركين والمنكرين للبعث كقوم تبع ، وهم سبأ ، حيث أهلكهم اللّه عز وجل وخرب بلادهم وشردهم في البلاد وفرقهم شذر مذر ، كما تقدم ذلك في سورة سبأ وهي مصدرة بإنكار المشركين للمعاد ، وكذلك هاهنا شبههم بأولئك وقد كانوا عربا من قحطان ، كما أن هؤلاء عرب من عدنان ، وقد كانت حمير وهم سبأ كلما ملك فيهم رجل سموه تبعا ، كما يقال كسرى لمن ملك الفرس ، وقيصر لمن ملك الروم ، وفرعون لمن ملك مصر كافرا ، والنجاشي لمن ملك الحبشة وغير ذلك من أعلام الأجناس . ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه ، واتسعت مملكته وبلاده وكثرت رعاياه وهو الذي مصر الحيرة ، فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية ، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار ، وجعلوا يقرونه « 1 » بالليل فاستحيا منهم وكف عنهم ، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة ، فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان ، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن ، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهياه عن ذلك أيضا وأخبراه بعظمة هذا البيت ، وأنه من بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان ، فعظمها وطاف بها وكساها الملاء « 2 » والوصائل « 3 » والحبير « 4 » ، ثم كر راجعا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه ، وكان إذ ذاك دين موسى عليه الصلاة والسلام فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح عليه الصلاة والسلام ، فتهود معه عامة أهل اليمن ، وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة « 5 » . وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر . وذكر أنه ملك دمشق وأنه كان إذا استعرض الخيل صفت له من دمشق إلى اليمن . ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا ؟ ولا أدري تبع لعينا كان أم لا ؟ ولا أدري ذو القرنين نبيا كان أم ملكا ؟ » وقال غيره « عزيز أكان نبيا أم لا ؟ » « 6 » . وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن حماد الظهراني عن عبد الرزاق قال الدارقطني :
--> ( 1 ) يقرونه : أي يضيفونه ( 2 ) الملاء : واحدة ملاءة : وهي الملحفة . ( 3 ) الوصائل : ثياب يمنية يوصل بعضها ببعض . ( 4 ) الحبير من الثياب : ما كان موشيا مخططا . ( 5 ) السيرة النبوية لابن هشام 1 / 19 ، 28 . ( 6 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 13 .