ابن كثير
231
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عباس رضي اللّه عنهما قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : البطشة الكبرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة ، وهذا إسناد صحيح عنه وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه ، واللّه أعلم . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 17 إلى 33 ] وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( 17 ) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 18 ) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 30 ) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 32 ) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ ( 33 ) يقول تعالى : ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم قبط مصر وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ يعني موسى كليمه عليه الصلاة والسلام أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ كقوله عز وجل : فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [ طه : 47 ] . وقوله جل وعلا : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي مأمون على ما أبلغكموه . وقوله تعالى : وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أي لا تستكبروا عن اتباع آياته والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه كقوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [ غافر : 60 ] إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجة ظاهرة واضحة وهي ما أرسله اللّه تعالى به من الآيات البينات والأدلة القاطعة . وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وأبو صالح : هو الرجم باللسان وهو الشتم . وقال قتادة : الرجم بالحجارة أي أعوذ باللّه الذي خلقني وخلقكم من أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ أي فلا تتعرضوا لي ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي اللّه بيننا . فلما طال مقامه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهرهم وأقام حجج اللّه تعالى عليهم . كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا ، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم كما قال تبارك وتعالى : وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما [ يونس : 88 - 89 ] وهكذا قال هاهنا : فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ فعند ذلك أمره اللّه تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه ولهذا قال جل جلاله : فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ كما قال تعالى : وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ