ابن كثير
227
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لا يعلم اللّه أعلم سأحدثكم عن ذلك ، إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف ، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة ، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان ، وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد . قال اللّه تعالى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقيل يا رسول اللّه استسق اللّه لمضر فإنها قد هلكت ، فاستسقى صلى اللّه عليه وسلم لهم فسقوا فأنزل اللّه إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : فيكشف عنهم العذاب يوم القيامة فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل اللّه عز وجل : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ قال يعني يوم بدر « 1 » . قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : فقد مضى خمسة : الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام ، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين « 2 » ورواه الإمام أحمد « 3 » في مسنده ، وهو عند الترمذي « 4 » والنسائي في تفسيرهما ، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به ، وقد وافق ابن مسعود رضي اللّه عنه على تفسير الآية بهذا ، وأن الدخان مضى : جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي ، وهو اختيار ابن جرير . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا جعفر بن مسافر ، حدثنا يحيى بن حسان ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا عبد الرحمن الأعرج في قوله عز وجل : يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ قال : كان يوم فتح مكة وهذا القول غريب جدا بل منكر . وقال آخرون لم يمض الدخان بعد بل هو من أمارات الساعة كما تقدم من حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري رضي اللّه عنه ، قال : أشرف علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من عرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم والدجال وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو تحشر الناس - تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا » « 5 » . تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه ، وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لابن الصياد : « إني
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 11 / 230 ، 231 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 44 ، باب 2 . ( 3 ) المسند 1 / 236 ، 381 . ( 4 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة الدخان . ( 5 ) أخرجه مسلم في الفتن حديث 39 ، 40 ، وأبو داود في الملاحم باب 12 ، والترمذي في الفتن باب 21 ، وابن ماجة في الفتن باب 28 ، وأحمد في المسند 4 / 6 ، 7 .