ابن كثير

222

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يقول تعالى : قُلْ يا محمد إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي لو فرض هذا لعبدته على ذلك ، لأني عبد من عبيده مطيع لجميع ما يأمرني به ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته ، فلو فرض هذا لكان هذا ، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا كما قال عز وجل : لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الزمر : 4 ] وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي الآنفين ، ومنهم سفيان الثوري والبخاري « 1 » ، حكاه فقال ويقال أول العابدين الجاحدين من عبد يعبد . وذكر ابن جرير « 2 » لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب ، حدثني ابن أبي ذئب عن أبي قسيط عن بعجة بن زيد الجهني أن امرأة منهم دخلت على زوجها وهو رجل منهم أيضا ، فولدت له في ستة أشهر فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، فأمر بها أن ترجم ، فدخل عليه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال : إن اللّه تعالى يقول في كتابه وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] وقال عز وجل : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [ لقمان : 14 ] قال : فو اللّه ما عبد عثمان رضي اللّه عنه أن بعث إليها ترد ، قال يونس : قال ابن وهب : عبد استنكف . وقال الشاعر : [ الطويل ] متى ما يشأ ذو الودّ يصرم خليله * ويعبد عليه لا محالة ظالما « 3 » وهذا القول فيه نظر لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقديره إن كان هذا فأنا ممتنع منه ؟ هذا فيه نظر فليتأمل اللهم إلا أن يقال : أن إن ليست شرطا وإنما هي نافية ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ يقول : لم يكن للرحمن ولد ، فأنا أول الشاهدين . وقال قتادة هي كلمة من كلام العرب إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي إن ذلك لم يكن فلا ينبغي ، وقال أبو صخر قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي فأنا أول من عبده بأن لا ولد له ، وأول من وحده ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال مجاهد فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي أول من عبده ووحده وكذبكم ، وقال البخاري « 4 » فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ الآنفين وهما لغتان رجل عابد وعبد ، والأول أقرب على أنه شرط وجزاء ولكن هو

--> ( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة الزخرف . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 216 . ( 3 ) البيت بلا نسبة في تفسير الطبري 11 / 216 . ( 4 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة الزخرف .