ابن كثير
218
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الصراط المستقيم وهو عبادة الرب جل وعلا وحده . وقوله سبحانه وتعالى : فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي اختلفت الفرق وصاروا شيعا فيه ، منهم من يقر بأنه عبد اللّه ورسوله وهو الحق ومنهم من يدعي أنه ولد اللّه ، ومنهم من يقول إنه اللّه . تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا ولهذا قال تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 66 إلى 73 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 66 ) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ( 67 ) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 68 ) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ ( 69 ) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ ( 70 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ( 71 ) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 72 ) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ ( 73 ) يقول تعالى : هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي فإنها كائنة لا محالة وواقعة ، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدين فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها فحينئذ يندمون كل الندم حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم ، وقوله تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ أي كل صداقة وصحابة لغير اللّه فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة ، إلا ما كان للّه عز وجل فإنه دائم بدوامه ، وهذا كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه : إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ [ العنكبوت : 25 ] . وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي اللّه عنه الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ قال : خليلان مؤمنان وخليلان كافران ، فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة ، فذكر خليله فقال : اللهم إن فلانا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر ، وينبئني أني ملاقيك ، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثلما أريتني ، وترضى عنه كما رضيت عني ، فيقال له اذهب فلو تعلم ماله عندي لضحكت كثيرا وبكيت قليلا قال : ثم يموت الآخر فتجتمع أرواحهما فيقال : ليثن أحدكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه : نعم الأخ ونعم الصاحب ونعم الخليل . وإذا مات أحد الكافرين وبشر بالنار ذكر خليله فيقول : اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك . ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ، ويخبرني أني غير ملاقيك . اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت علي . قال : فيموت الكافر الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال : ليثن كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه : بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل ! رواه ابن أبي حاتم ، وقال ابن عباس