ابن كثير
125
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 21 إلى 22 ] أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 22 ) يقول تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ أي من الأمم المكذبة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما حل بهم من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة وَآثاراً فِي الْأَرْضِ أي أثروا في الأرض من البنايات والمعالم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه كما قال عز وجل : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ [ الأحقاف : 26 ] وقال تعالى : وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [ الروم : 9 ] أي مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أخذهم اللّه بذنوبهم وهي كفرهم برسلهم وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ أي وما دفع عنهم عذاب اللّه أحد ولا رده عنهم راد ، ولا وقاهم واق ، ثم ذكر علقة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها فقال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات فَكَفَرُوا أي مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ تعالى أي أهلكهم ودمر عليهم وللكافرين أمثالها إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ أي ذو قوة عظيمة وبطش شديد وهو شديد العقاب أي عقابه أليم شديد وجيع ، أعاذنا اللّه تبارك وتعالى منه . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 23 إلى 27 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 23 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 25 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ( 26 ) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) يقول تعالى مسليا لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه ومبشرا له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام فإن اللّه تعالى أرسله بالآيات البينات . والدلائل الواضحات . ولهذا قال تعالى : بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ والسلطان هو الحجة والبرهان إِلى فِرْعَوْنَ وهو ملك القبط بالديار المصرية وَهامانَ وهو وزيره في مملكته وَقارُونَ وكان أكثر الناس في زمانه مالا وتجارة فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ أي كذبوه وجعلوه ساحرا مجنونا ممحزقا مموها كذابا في أن اللّه أرسله وهذه كقوله تعالى : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [ الذاريات : 52 - 53 ] .