ابن كثير
98
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أين المتكبرون ؟ « 1 » وقوله وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً أي شديدا صعبا ، لأنه يوم عدل وقضاء فصل ، كما قال تعالى : فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [ المدثر : 9 - 10 ] فهذا حال الكافرين في هذا اليوم ، وأما المؤمنون فكما قال تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 103 ] الآية . وروى الإمام أحمد « 2 » : حدثنا حسين بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال : قيل يا رسول اللّه يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ما أطول هذا اليوم ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « والذي نفسي بيده ، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا » . وقوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ، يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وما جاء به من عند اللّه من الحق المبين الذي لا مرية فيه ، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول ، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم ، وعض على يديه حسرة وأسفا ، وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء ، فإنها عامة في كل ظالم ، كما قال تعالى : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [ الأحزاب : 66 - 68 ] الآيتين ، فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم ، ويعض على يديه قائلا يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني من صرفه عن الهدى وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة ، وسواء في ذلك أمية بن خلف أو أخوه أبي بن خلف أو غيرهما ، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ وهو القرآن بَعْدَ إِذْ جاءَنِي أي بعد بلوغه إليّ ، قال اللّه تعالى : وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا أي يخذله عن الحق ويصرفه عنه ، ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 30 إلى 31 ] وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ( 31 ) يقول تعالى مخبرا عن رسوله ونبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا » وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه ، كما قال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [ فصلت : 26 ] الآية ، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه . فهذا من هجرانه وترك الإيمان به وترك
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المنافقين حديث 24 ، وأبو داود في السنة باب 19 ، وابن ماجة في المقدمة باب 14 ، والزهد باب 33 . ( 2 ) المسند 3 / 75 .