ابن كثير
78
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة النور ( 24 ) : آية 61 ] لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 61 ) اختلف المفسرون رحمهم اللّه في المعنى الذي لأجله رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض هاهنا ، فقال عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنها : نزلت في الجهاد ، وجعلوا هذه الآية هاهنا كالتي في سورة الفتح « 1 » ، وتلك في الجهاد لا محالة ، أي إنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم ، وكما قال تعالى في سورة براءة لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ - إلى قوله - أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [ التوبة : 92 ] وقيل : المراد هاهنا أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات ، فربما سبقه غيره إلى ذلك ، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فيفتات عليه جليسه ، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره ، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم ، فأنزل اللّه هذه الآية ، رخصة في ذلك ، وهذا قول سعيد بن جبير ومقسم . وقال الضحاك : كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرا وتعززا ، ولئلا يتفضلوا عليهم ، فأنزل اللّه هذه الآية . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية ، قال : كان الرجل يذهب بالأعمى أو بالأعرج أو بالمريض إلى بيت أبيه أو أخيه أو بيت أخته أو بيت عمته أو بيت خالته ، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون : إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم « 2 » . وقال السدي : كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه ، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام ، فلا يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم ، فقال اللّه تعالى لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية . وقوله تعالى : وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ إنما ذكر هذا وهو معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ ، وليساويه ما بعده في الحكم ، وتضمن هذا بيوت الأبناء لأنه لم ينص عليهم ، ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه ، وقد جاء في المسند
--> ( 1 ) انظر الآية 17 من سورة الفتح . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 9 / 352 .