ابن كثير

74

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

العباد ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم . . قال « فإن حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا » . قال : ثم سار ساعة ، ثم قال « يا معاذ بن جبل » . قلت : لبيك يا رسول اللّه وسعديك . قال « فهل تدري ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك ؟ » قال : قلت اللّه ورسوله أعلم . قال « فإن حق العباد على اللّه أن لا يعذبهم » « 1 » ، أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة . وقوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد خرج عن أمر ربه ، وكفى بذلك ذنبا عظيما ، فالصحابة رضي اللّه عنهم لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم بأوامر اللّه عز وجل وأطوعهم للّه ، كان نصرهم بحسبهم أظهروا كلمة اللّه في المشارق والمغارب ، وأيدهم تأييدا عظيما ، وحكموا في سائر العباد والبلاد ، ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم ، ولكن قد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة - وفي رواية حتى يأتي أمر اللّه وهم كذلك - وفي رواية - حتى يقاتلوا الدجال - وفي رواية - حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون » « 2 » وكل هذه الروايات صحيحة ، ولا تعارض بينها . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 56 إلى 57 ] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 56 ) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 57 ) يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بإقامة الصلاة ، وهي عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وإيتاء الزكاة ، وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم ، وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي سالكين وراءه فيما به أمرهم ، وتاركين ما عنه زجرهم ، لعل اللّه يرحمهم بذلك ، ولا شك أن من فعل هذا ، أن اللّه سيرحمه ، كما قال تعالى في الآية الأخرى : أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [ التوبة : 71 ] . وقوله تعالى : لا تَحْسَبَنَّ أي لا تظن يا محمد أن الَّذِينَ كَفَرُوا أي خالفوك وكذبوك مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي لا يعجزون اللّه ، بل اللّه قادر عليهم وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب ، ولهذا قال تعالى : وَمَأْواهُمُ أي في الدار الآخرة النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي بئس المآل مآل الكافرين ، وبئس القرار وبئس المهاد .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في اللباس باب 101 ، ومسلم في الإيمان حديث 50 . ( 2 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الاعتصام باب 10 ، والتوحيد باب 29 ، والمناقب باب 28 ، والخمس باب 7 ، ومسلم في الإيمان حديث 247 ، والإمارة حديث 170 ، 171 ، 173 ، 175 ، وأبو داود في الفتن باب 1 ، والجهاد باب 4 ، والترمذي في الفتن باب 51 ، وابن ماجة في المقدمة باب 1 ، والدارمي في الجهاد باب 38 ، وأحمد في المسند 4 / 93 ، 99 ، 104 ، 244 ، 248 ، 252 ، 319 ، 420 ، 434 ، 437 ، 5 / 269 ، 278 ، 279 .