ابن كثير

71

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أي أئمة الناس والولاة عليهم ، وبهم تصلح البلاد ، وتخضع لهم العباد . وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم ، وقد فعله تبارك وتعالى ، وله الحمد والمنة ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم لم يمت حتى فتح اللّه عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها ، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام ، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس ، وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه اللّه وأكرمه . ثم لما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واختار اللّه له ما عنده من الكرامة ، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق ، فلمّ شعث ما وهي بعد موته صلى اللّه عليه وسلم ، وأطّد جزيرة العرب ومهدها ، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد رضي اللّه عنه ، ففتحوا طرفا منها ، وقتلوا خلقا من أهلها . وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة رضي اللّه عنه ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام ، وثالثا صحبة عمرو بن العاص رضي اللّه عنه إلى بلاد مصر ، ففتح اللّه للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها وتوفاه اللّه عز وجل واختار له ما عنده من الكرامة . ومنّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق ، فقام بالأمر بعده قياما تاما ، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله . وتمّ في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس . وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته ، وقصر قيصر ، وانتزع يده عن بلاد الشام ، وانحدر إلى القسطنطينية ، وأنفق أموالهما في سبيل اللّه ، كما أخبر بذلك ووعد به رسول اللّه ، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة . ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها ، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص ، وبلاد القيروان ، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين ، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية ، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز ، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا ، وخذل اللّه ملكهم الأعظم خاقان ، وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن ، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « إن اللّه زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، ويبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها » « 1 » فها نحن نتقلب فيما وعدنا اللّه ورسوله ، وصدق اللّه ورسوله فنسأل اللّه الإيمان به وبرسوله ، والقيام بشكره على الوجه الذي

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفتن حديث 19 ، وأبو داود في الفتن باب 1 ، والترمذي في الفتن باب 14 ، وابن ماجة في الفتن باب 9 ، وأحمد في المسند 5 / 278 ، 284 ، 4 / 123 .