ابن كثير

59

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

والصلاة فيه كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد « إن المساجد لم تبن لهذا ، إنما بنيت لذكر اللّه والصلاة فيها » ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله « 1 » ، وفي الحديث الثاني « جنبوا مساجدكم صبيانكم » « 2 » وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم ، وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدرة ، وكان يعد المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدا « ومجانينكم » يعني لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم فيؤدي إلى اللعب فيها ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك « وبيعكم وشراءكم » كما تقدم « وخصوماتكم » يعني التحاكم والحكم فيه ، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد بل يكون في موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه ، ولهذا قال بعده « ورفع أصواتكم » . وقال البخاري « 3 » : حدثنا علي بن عبد اللّه ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن قال : حدثني يزيد بن حفصة عن السائب بن يزيد الكندي قال : كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال : اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال من أنتما ؟ أو من أين أنتما ؟ قالا من أهل الطائف . قال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال النسائي : حدثنا سويد بن نصر عن عبد اللّه بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال : أتدري أين أنت ؟ وهذا أيضا صحيح . وقوله « وإقامة حدودكم وسل سيوفكم » تقدما . وقوله « واتخذوا على أبوابها المطاهر » يعني المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة . وقد كانت قريبا من مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آبار يستقون منها فيشربون ويتطهرون ويتوضؤون وغير ذلك . وقوله « وجمروها في الجمع » يعني بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ ، وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا عبيد اللّه ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد اللّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كل جمعة . إسناده حسن لا بأس به واللّه أعلم ، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « صلاة الرجل في

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الوضوء باب 57 ، 58 ، والأدب باب 35 ، 80 ، ومسلم في الطهارة حديث 98 ، 100 ، وأبو داود في الطهارة باب 136 ، والترمذي في الطهارة باب 112 ، والنسائي في الطهارة باب 44 ، وابن ماجة في الطهارة باب 78 ، وأحمد في المسند 2 / 239 ، 282 ، 503 ، 3 / 110 ، 114 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في المساجد باب 5 . ( 3 ) كتاب الصلاة باب 83 .