ابن كثير

529

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وكفرهم باللّه إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ أي نحن نعلم جميع ما هم فيه ، وسنجزيهم وصفهم ونعاملهم على ذلك يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرا ولا صغيرا ولا كبيرا بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديما وحديثا . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 77 إلى 80 ] أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة : جاء أبي بن خلف لعنه اللّه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي يده عظم رميم ، وهو يفته ويذروه في الهواء ، وهو يقول : يا محمد أتزعم أن اللّه يبعث هذا ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « نعم يميتك اللّه تعالى ، ثم يبعثك ، ثم يحشرك إلى النار » ونزلت هذه الآيات من آخر يس أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ إلى آخرهن . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : إن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففته بيده ، ثم قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أيحيي اللّه هذا ما بعد أرى ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « نعم يميتك اللّه ، ثم يحييك ، ثم يدخلك جهنم » قال : ونزلت الآيات من آخر يس ، ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير فذكر هو ولم يذكر ابن عباس رضي اللّه عنهما . وروي من طريق العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : جاء عبد اللّه بن أبي بعظم ففته وذكر نحو ما تقدم ، وهذا منكر ، لأن السورة مكية وعبد اللّه بن أبي ابن سلول إنما كان بالمدينة ، وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل أو فيهما ، فهي عامة في كل من أنكر البعث ، والألف واللام في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ للجنس يعم كل منكر للبعث أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ أي أو لم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة ، فإن اللّه ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين ، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين ، كما قال عز وجل : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ [ المرسلات : 20 - 22 ] وقال تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] أي من نطفة من أخلاط متفرقة ، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته . كما قال الإمام أحمد « 1 » في مسنده : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا حريز ، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بشر بن جحاش قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بصق

--> ( 1 ) المسند 4 / 210 .