ابن كثير
523
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره ، رد إلى الضعف بعد القوة ، والعجز بعد النشاط ، كما قال تبارك وتعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [ الروم : 54 ] وقال عز وجل : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ النحل : 70 ] والمراد من هذا - واللّه أعلم الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال ، لا دار دوام واستقرار ، ولهذا قال عز وجل : أَ فَلا يَعْقِلُونَ أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ، ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة ، ثم إلى الشيخوخة ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها ، وهي الدار الآخرة . وقوله تبارك وتعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ يقول عز وجل مخبرا عن نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه ما علمه الشعر وَما يَنْبَغِي لَهُ أي ما هو في طبعه فلا يحسنه ولا يحبه ولا تقتضيه جبلته ، ولهذا ورد أنه صلى اللّه عليه وسلم كان لا يحفظ بيتا على وزن منتظم بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه . وقال أبو زرعة الرازي : حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنه قال : ما ولد عبد المطلب ذكرا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ذكره ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب الذي أكله الأسد بالزرقاء . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن هو البصري قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت [ الطويل ] : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه : [ الطويل ] كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا « 1 » قال أبو بكر أو عمر رضي اللّه عنهما : أشهد أنك رسول اللّه ، يقول تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ وهكذا روى البيهقي في الدلائل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال للعباس بن مرداس
--> ( 1 ) صدره : عميرة ودّع إن تجهزت غاديا والبيت لسحيم عبد بني الحسحاس في الإنصاف 1 / 168 ، وخزانة الأدب 1 / 267 ، 2 / 102 ، 103 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 141 ، وشرح التصريح 2 / 88 ، وشرح شواهد المغني 1 / 325 ، والكتاب 2 / 26 ، 4 / 225 ، ولسان العرب ( كفى ) ، ومغني اللبيب 1 / 106 ، والمقاصد النحوية 3 / 665 ، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 144 ، وأوضح المسالك 3 / 253 ، وشرح الأشموني 2 / 364 ، وشرح عمدة الحافظ ص 425 ، وشرح قطر الندى ص 323 ، وشرح المفصل 2 / 115 ، 7 / 84 ، 8 / 24 ، 93 ، 138 ، ولسان العرب ( نهى )