ابن كثير
512
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الشمس ، فقد أفطر الصائم » « 1 » هذا هو الظاهر من الآية ، وزعم قتادة أنها كقوله تعالى : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ * [ الحج : 61 ] وقد ضعف ابن جرير قول قتادة هاهنا ، وقال : إنما معنى الإيلاج الأخذ من هذا في هذا ، وليس هذا مرادا في هذه الآية ، وهذا الذي قاله ابن جرير حق . وقوله جل جلاله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ في معنى قوله : لِمُسْتَقَرٍّ لَها قولان [ أحدهما ] أن المراد مستقرها المكاني ، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب ، وهي أينما كانت فهي تحت العرش هي وجميع المخلوقات ، لأنه سقفها ، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة ، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة ، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس ، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش ، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل ، صارت أبعد ما تكون إلى العرش ، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع كما جاءت بذلك الأحاديث . قال البخاري « 2 » : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم : في المسجد عند غروب الشمس ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس ؟ » قلت : اللّه ورسوله أعلم ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فذلك قوله تعالى : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ » . حدثنا عبد اللّه بن الزبير الحميدي ، حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي اللّه عنه : قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تبارك وتعالى : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال صلى اللّه عليه وسلم : « مستقرها تحت العرش » هكذا أورده هاهنا ، وقد أخرجه في أماكن متعددة ، ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن الأعمش به . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال : كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المسجد حين غربت الشمس ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس ؟ » قلت : اللّه ورسوله أعلم ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز وجل ، فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها ، وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت ، فترجع إلى مطلعها وذلك مستقرها - ثم قرأ - وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 33 ، 43 ، 45 ، ومسلم في الصيام حديث 51 ، 53 ، ومسلم في الصيام حديث 51 ، 53 . وأحمد في المسند 4 / 380 . ( 2 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 36 ، باب 1 . ( 3 ) المسند 5 / 152 .