ابن كثير

500

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله تعالى : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ يعني بهم العرب ، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله ، وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم ، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم ، وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته صلى اللّه عليه وسلم عند قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] . وقوله تعالى : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ قال ابن جرير : لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن اللّه تعالى قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ باللّه ولا يصدقون رسله . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 8 إلى 12 ] إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 ) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 ) يقول تعالى : إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل ، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه ، فارتفع رأسه فصار مقمحا ، ولهذا قال تعالى : فَهُمْ مُقْمَحُونَ والمقمح هو الرافع رأسه ، كما قالت أم زرع في كلامها : وأشرب فأتقمح « 1 » ، أي أشرب فأروي ، وأرفع رأسي تهنيئا وترويا ، واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين وإن كانتا مرادتين ، كما قال الشاعر [ الوافر ] : فما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني « 2 » أالخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي لا يأتليني ؟ فاكتفى بذكر الخير عن الشر ، لما دل الكلام والسياق عليه ، وهكذا هذا لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق ، اكتفى بذكر العنق عن اليدين . قال العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ قال : هو كقوله عز وجل : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [ الإسراء : 29 ] يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير . وقال مجاهد فَهُمْ مُقْمَحُونَ قال : رافعي رؤوسهم ، وأيديهم موضوعة على أفواههم ، فهم مغلولون عن كل خير . وقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا قال مجاهد : عن الحق وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا قال مجاهد : عن الحق فهم يترددون . وقال قتادة : في الضلالات .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 82 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 92 . ( 2 ) البيتان للمثقب العبدي في ديوانه ص 212 ، وخزانة الأدب 11 / 80 ، وشرح اختيارات المفضل ص 1267 ، وشرح شواهد المغني 1 / 191 ، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص 145 ، وخزانة الأدب 6 / 37 ، وشرح المفصل 9 / 138 .