ابن كثير

480

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يا أبت ما أيسر ما طلبت ، ولكني أتخوف مثلما تتخوف ، فلا أستطيع أن أعطيك شيئا ، ثم يتعلق بزوجته فيقول : يا فلانة ، أو يا هذه أي زوج كنت لك ؟ فتثني خيرا ، فيقول لها : إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو بها ممن ترين ، قال : فتقول : ما أيسر ما طلبت ، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا ، إني أتخوف مثل الذي تتخوف . يقول اللّه تعالى : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها الآية ، ويقول تبارك وتعالى : لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً [ لقمان : 33 ] ويقول تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 36 ] رواه ابن أبي حاتم رحمه اللّه عن أبي عبد اللّه الطهراني عن حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة به . ثم قال تبارك وتعالى : إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنّهى ، الخائفون من ربهم ، الفاعلون ما أمرهم به وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ أي ومن عمل صالحا فإنما يعود نفعه على نفسه وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي وإليه المرجع والمآب ، وهو سريع الحساب ، وسيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 19 إلى 26 ] وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ ( 20 ) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ( 23 ) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 25 ) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 26 ) يقول تعالى : كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان ، بل بينهما فرق وبون كثير ، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات ، كقوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] وقال عز وجل : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [ هود : 24 ] فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون ، والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج له منها ، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [ الواقعة : 43 - 44 ] . وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها . وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم