ابن كثير
461
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عبد الوهاب عن سفيان بن عاصم عن أبي رزين قال : كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر ، فلما بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل . فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم ، قال : فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال : دلني عليه ، قال : وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب ، قال فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : إلام تدعو ؟ قال « ادعوا إلى كذا وكذا » قال : أشهد أنك رسول اللّه . قال صلى اللّه عليه وسلم « وما علمك بذلك ؟ » قال : إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم ، قال : فنزلت هذه الآية وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ الآية ، قال : فأرسل إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم إن اللّه عز وجل قد أنزل تصديق ما قلت ، وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها : وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم ؟ فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل . وقال تبارك وتعالى إخبارا عن المترفين المكذبين : وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد ، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة اللّه تعالى لهم واعتنائه بهم ، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة وهيهات لهم ذلك قال اللّه تعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [ المؤمنون : 55 - 56 ] وقال تبارك وتعالى : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [ التوبة : 55 ] وقال عز وجل ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [ المدثر : 11 - 17 ] . وقد أخبر اللّه عز وجل عن صاحب تينك الجنتين أنه كان ذا مال وثمر وولد ، ثم لم يغن عنه شيئا بل سلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة ، ولهذا قال عز وجل ها هنا : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب ، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء ، وله الحكمة التامة البالغة والحجة القاطعة الدامغة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . ثم قال تعالى : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم . قال الإمام أحمد « 1 » رحمه اللّه : حدثنا كثير ، حدثنا جعفر ، حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 2 » ورواه مسلم وابن ماجة من حديث كثير بن هشام عن جعفر بن برقان به ، ولهذا قال اللّه تعالى : إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
--> ( 1 ) المسند 2 / 539 . ( 2 ) أخرجه مسلم في البر حديث 33 ، وابن ماجة في الزهد باب 9 .