ابن كثير

453

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر ، يؤجر المؤمن في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته » . وقد رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي إسحاق السبيعي به ، وهو حديث عزيز من رواية عمر بن سعد عن أبيه ، ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه « عجبا للمؤمن لا يقضي اللّه تعالى له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن » « 1 » . قال مطرف يقول : نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 ) لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان ، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى ، فقال : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره : هذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم عليه الصلاة والسلام ، ثم قال : أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 62 ] وقال : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [ الأعراف : 17 ] والآيات في هذا كثيرة ، وقال الحسن البصري : لما أهبط اللّه آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة ومعه حواء ، هبط إبليس فرحا بما أصاب منهما ، وقال : إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف ، وكان ذلك ظنا من إبليس ، فأنزل اللّه عز وجل وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فقال عند ذلك إبليس : لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أعده وأمنيه وأخدعه ، فقال اللّه تعالى : « وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت ، ولا يدعوني إلا أجبته ، ولا يسألني إلا أعطيته ، ولا يستغفر إلا غفرت له » ، رواه ابن أبي حاتم . وقوله تبارك وتعالى : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أي من حجة . وقال الحسن البصري : واللّه ما ضربهم بعصا ولا أكرهم على شيء ، وما كان إلا غرورا وأماني ، دعاهم إليها فأجابوه ، وقوله عز وجل : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ أي إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء ، فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ممن هو منها في شك . وقوله تعالى : وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي ومع حفظه ضل من ضل من أتباع إبليس ، وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 64 .