ابن كثير
449
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والحسن وقتادة والسدي : وهو الأراك وأكلة البرير وَأَثْلٍ قال العوفي عن ابن عباس : هو الطرفاء . وقال غيره هو شجر يشبه الطرفاء ، وقيل هو السمر ، واللّه أعلم . وقوله : وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال : وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة ، والمناظر الحسنة ، والظلال العميقة ، والأنهار الجارية ، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والتمر القليل ، وذلك بسبب كفرهم وشركهم باللّه وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل ، ولهذا قال تعالى : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ أي عاقبناهم بكفرهم . قال مجاهد : ولا يعاقب إلا الكفور . وقال الحسن البصري : صدق اللّه العظيم لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور . وقال طاوس : لا يناقش إلا الكفور . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي ، حدثنا حجاج بن محمد ، حدثنا أبو البيداء عن هشام بن صالح التغلبي عن ابن خيرة ، وكان من أصحاب علي رضي اللّه عنه ، قال : جزاء المعصية الوهن في العبادة ، والضيق في المعيشة ، والتعسر في اللذة ، قيل : وما التعسر في اللذة ؟ قال : لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 18 إلى 19 ] وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة والعيش الهني الرغيد ، والبلاد الرخية ، والأماكن الآمنة ، والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء ، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا ، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم ، ولهذا قال تعالى : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قال وهب بن منبه : هي قرى بصنعاء ، وكذا قال أبو مالك ، وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ومالك عن زيد بن أسلم وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد وغيرهم : يعني قرى الشام ، يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة . وقال العوفي عن ابن عباس : القرى التي باركنا فيها بيت المقدس ، وقال العوفي عنه أيضا : هي قرى عربية بين المدينة والشام قُرىً ظاهِرَةً أي بينة واضحة يعرفها المسافرون يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى ، ولهذا قال تعالى : وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ أي الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا