ابن كثير
441
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا أي ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ وهو الحريق . وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا ، فقال : حدثنا أبي حدثنا أبو صالح ، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير ، عن أبي ثعلبة الخشني رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « الجن على ثلاثة أصناف : صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء ، وصنف حيات وكلاب ، وصنف يحلون ويظعنون » رفعه غريب جدا . وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا حرملة ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني بكر بن مضر عن محمد بن بحير عن ابن أنعم أنه قال : الجن ثلاثة أصناف : صنف لهم الثواب وعليهم العقاب ، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض ، وصنف حيات وكلاب . قال بكر بن مضر : ولا أعلم إلا أنه قال : حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف : صنف يظلهم اللّه بظل عرشه يوم القيامة ، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلا ، وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين . وقال أيضا : حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق ، حدثنا سلمة يعني ابن الفضل عن إسماعيل عن الحسن قال : الجن ولد إبليس ، والإنس ولد آدم ، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون ، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا ، فهو ولي اللّه تعالى ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان . وقوله تعالى : يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ أما المحاريب فهي البناء الحسن ، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره . وقال مجاهد : المحاريب بنيان دون القصور . وقال الضحاك : هي المساجد ، وقال قتادة : هي القصور والمساجد . وقال ابن زيد : هي المساكن . وأما التماثيل ، فقال عطية العوفي والضحاك والسدي : التماثيل الصور . قال مجاهد : وكانت من نحاس . وقال قتادة : من طين وزجاج . وقوله تعالى : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ الجواب جمع جابية ، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء ، كما قال الأعشى ميمون بن قيس [ الطويل ] : تروح على آل المحلّق جفنة * كجابية الشيخ العراقيّ تفهق « 1 » وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما كَالْجَوابِ أي كالجوبة من الأرض . وقال العوفي عنه كالحياض ، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم . والقدور الراسيات ، أي الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها ، كذا قال
--> ( 1 ) البيت للأعشى في ديوانه ص 275 ، ولسان العرب ( حلق ) ، ( فهق ) ، ( جبى ) ، وتهذيب اللغة 5 / 404 ، ومقاييس اللغة 1 / 503 ، 456 ، ومجمل اللغة 4 / 67 ، وتاج العروس ( فهق ) ، ( جبى ) ، وتفسير الطبري 10 / 355 ، وبلا نسبة في المخصص 10 / 50 .