ابن كثير
422
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لآداب الراوي والسامع ] قال : رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه كثيرا ما يكتب اسم النبي صلى اللّه عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابة قال : وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظا . [ فصل ] وأما الصلاة على غير الأنبياء فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث اللهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته ، فهذا جائز بالإجماع وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم فقال قائلون : يجوز ذلك ، واحتجوا بقول اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [ الأحزاب : 33 ] ، وبقوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [ البقرة : 157 ] ، وبقوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 103 ] الآية ، وبحديث عبد اللّه بن أبي أوفى قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال « اللهم صل عليهم » فأتاه أبي بصدقته فقال « اللهم صل على آل أبي أوفى » أخرجاه في الصحيحين ، وبحديث جابر أن امرأته قالت يا رسول اللّه صل علي وعلى زوجي ، فقال « صلى اللّه عليك وعلى زوجك » قال الجمهور من العلماء لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذ ذكروا ، فلا يلحق بهم غيرهم فلا يقال : قال أبو بكر صلى اللّه عليه أو قال علي صلى اللّه عليه ، وإن كان المعنى صحيحا ، كما لا يقال : قال محمد عز وجل ، وإن كان عزيزا جليلا لأن هذا من شعار ذكر اللّه عز وجل وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم ، ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى ولا لجابر وامرأته ، وهذا مسلك حسن . وقال آخرون : لا يجوز ذلك لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء ، يصلون على من يعتقدون فيهم ، فلا يقتدى بهم في ذلك واللّه أعلم . ثم اختلف المانعون من ذلك : هل هو من باب التحريم أو الكراهة التنزيهية أو خلاف الأولى ؟ على ثلاثة أقوال ، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار . ثم قال : والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع وقد نهينا عن شعارهم ، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود . قال أصحابنا والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء ، كما أن قولنا عز وجل مخصوص باللّه تعالى فكما لا يقال محمد عز وجل وإن كان عزيزا جليلا لا يقال أبو بكر أو علي صلى اللّه عليه ، هذا لفظ بحروفه ، قال : وأما السلام ؟ فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا : هو في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء فلا يقال علي عليه السلام وسواء في هذا الأحياء والأموات ، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال : سلام عليك ، وسلام عليكم أو السلام عليك أو عليكم ، وهذا مجمع عليه انتهى ما ذكره . ( قلت ) وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن ينفرد علي رضي اللّه عنه بأن يقال عليه السلام من دون سائر الصحابة أو كرم اللّه وجهه ، وهذا وإن كان معناه صحيحا ، لكن ينبغي