ابن كثير

415

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قلت : وقد رواه البخاري في الأدب عن محمد بن عبيد اللّه : حدثنا ابن أبي حازم عن كثير بن زيد ، عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه ، ورويناه من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به . قال الترمذي : وفي الباب عن جابر وأنس . قلت : وابن عباس وكعب بن عجرة ، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب الصيام عند قوله : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم كما ذكر ، وهو مذهب طائفة من العلماء منهم الطحاوي والحليمي ، ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجة « 1 » : حدثنا جبارة بن المغلس ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة » جبارة ضعيف ، ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال : قال رسول اللّه « من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة » وهذا مرسل يتقوى بالذي قبله ، واللّه علم . وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة عليه في المجلس مرة واحدة ، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس ، بل تستحب ، نقله الترمذي عن بعضهم ، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي « 2 » : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا اللّه فيه ، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة يوم القيامة ، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم » تفرد به الترمذي من هذا الوجه ، ورواه الإمام أحمد « 3 » عن حجاج ويزيد بن هارون كلاهما عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة مرفوعا مثله ، ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من غير وجه . وقد رواه إسماعيل القاضي من حديث شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبي سعيد قال « ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا كان عليهم يوم القيامة حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب » . وحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام - في العمر مرة واحدة امتثالا لأمر الآية . ثم هي مستحبة في كل حال ، وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعد ما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم في الجملة . قال وقد حكى الطبراني أن محمل الآية على الندب وادعى فيه الإجماع قال ولعله فيما زاد على المرة والواجب فيه مرة كالشهادة له بالنبوة ، وما زاد على ذلك فمندوب ومرغب فيه من سنن الإسلام وشعار أهله . [ قلت ] وهذا قول غريب ، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة ، فمنها واجب ومنها مستحب على ما نبينه .

--> ( 1 ) كتاب الدعوات باب الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) كتاب الدعوات باب 100 . ( 3 ) المسند 2 / 453 .