ابن كثير
402
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب . كما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها ، وكانت امرأة جسيمة ، لا تخفى على من يعرفها ، فرأها عمر بن الخطاب فقال : يا سودة أما واللّه ما تخفين علينا ، فانظري كيف تخرجين ؟ قالت : فانكفأت راجعة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق ، فدخلت فقالت : يا رسول اللّه إني خرجت لبعض حاجتي ، فقال لي عمر : كذا وكذا ، قالت : فأوحى اللّه إليه ، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه ، فقال « إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن » « 1 » لفظ البخاري ، فقوله تعالى : لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بغير إذن كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام ، حتى غار اللّه لهذه الأمة فأمرهم بذلك ، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إياكم والدخول على النساء » « 2 » الحديث ، ثم استثنى من ذلك فقال تعالى : إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ قال مجاهد وقتادة وغيرهما : أي غير متحينين نضجه واستواءه ، أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول ، فإن هذا مما يكرهه اللّه ويذمه ، وهذا دليل على تحريم التطفيل وهو الذي تسميه العرب الضيفن ، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم الطفيليين ، وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها . ثم قال تعالى : وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو غيره » « 3 » وأصله في الصحيحين ، وفي الصحيح أيضا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت ، فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل وانتشروا في الأرض » « 4 » ولهذا قال تعالى : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ أي كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث ، ونسوا أنفسهم حتى شق ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما قال تعالى : إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وقيل المراد إن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به ، ولكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه عليه السلام حتى أنزل اللّه عليه النهي عن ذلك ، ولهذا قال تعالى : وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أي ولهذا نهاكم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 33 ، باب 8 ، وأحمد في المسند 6 / 56 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الرضاع باب 16 ، وأحمد في المسند 4 / 149 ، 153 . ( 3 ) أخرجه مسلم في النكاح حديث 100 ، وأبو داود في الأطعمة باب 1 ، وأحمد في المسند 2 / 146 . ( 4 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 73 ، والهبة باب 2 ، وأحمد في المسند 2 / 424 ، 479 ، 481 ، ولفظهم : « لو أهدي إلي ذراع لقبلت » .