ابن كثير

392

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

كقوله : عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ [ النحل : 48 ] يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ * [ البقرة : 257 ] وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] وله نظائر كثيرة . وقوله تعالى : اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ قال ابن أبي حاتم رحمه اللّه : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي ، حدثنا عبيد اللّه بن موسى ، حدثنا إسرائيل عن السدي عن أبي صالح عن أم هانئ قالت : خطبني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ، ثم أنزل اللّه تعالى : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ قالت : فلم أكن أحل له ، ولم أكن ممن هاجر معه كنت من الطلقاء . ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن عبيد اللّه بن موسى به ، ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عنها بنحوه ، ورواه الترمذي في جامعه . وهكذا قال أبو رزين وقتادة إن المراد من هاجر معه إلى المدينة . وفي رواية عن قتادة اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ أي أسلمن ، وقال الضحاك : قرأ ابن مسعود واللائي هاجرن معك . وقوله تعالى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ الآية ، أي ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك . وهذه الآية توالى فيها شرطان ، كقوله تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [ هود : 34 ] وكقول موسى عليه السلام يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [ يونس : 84 ] وقال هاهنا : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ الآية . وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا إسحاق ، أخبرنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جاءته امرأة فقالت : يا رسول اللّه إني قد وهبت نفسي لك ، فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال : يا رسول اللّه زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هل عندك من شيء تصدقها إياه ؟ » فقال : ما عندي إلا إزاري هذا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا » فقال : لا أجد شيئا ، فقال « التمس ولو خاتما من حديد » فالتمس فلم يجد شيئا ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « هل معك من القرآن شيء ؟ » قال : نعم سورة كذا وسورة كذا - السور يسميها - فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « زوجتكها بما معك من القرآن » « 2 » أخرجاه من حديث مالك . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا عفان ، حدثنا مرحوم ، سمعت ثابتا يقول : كنت مع أنس

--> ( 1 ) المسند 5 / 336 . ( 2 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 40 ، ومسلم في النكاح حديث 35 ، 76 . ( 3 ) المسند 3 / 268 .