ابن كثير
387
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم من الطغاة ، وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس رضي اللّه عنه قال : مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نفر من أصحابه رضي اللّه عنهم ، وصبي في الطريق ، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ ، فأقبلت تسعى وتقول : ابني ، ابني ، وسعت فأخذته ، فقال القوم : يا رسول اللّه ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار ، قال فخفضهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال « لا ، واللّه لا يلقي حبيبه في النار » إسناده على شرط الصحيحين ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، ولكن في صحيح الإمام البخاري « 2 » عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها فألصقته إلى صدرها وأرضعته ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك ؟ » قالوا : لا . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « فو اللّه للّه أرحم بعباده من هذه بولدها » وقوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ الظاهر أن المراد - واللّه أعلم - تحيتهم ، أي من اللّه تعالى يوم يلقونه سلام أي يوم يسلم عليهم كما قال عز وجل : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضا بالسلام يوم يلقون اللّه في الدار الآخرة ، واختاره ابن جرير . [ قلت ] وقد يستدل له بقوله تعالى : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] . وقوله تعالى : وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً يعني الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والملاذ والمناظر ، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 45 إلى 48 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ( 46 ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً ( 47 ) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 48 ) قال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا فليح بن سليمان ، حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في التوراة ، قال : أجل واللّه إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في
--> ( 1 ) المسند 3 / 104 . ( 2 ) كتاب الأدب باب 18 ، وأخرجه مسلم في التوبة حديث 22 . ( 3 ) المسند 2 / 174 .