ابن كثير

358

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يزيد ، أخبرنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال : أخبرتني عائشة رضي اللّه عنها قالت : خرجت يوم الخندق أقفوا الناس فسمعت وئيد الأرض ورائي ، فإذا أنا بسعد بن معاذ رضي اللّه عنه ، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة ، قالت : فجلست إلى الأرض ، فمر سعد رضي اللّه عنه وعليه درع من حديد قد خرجت منه أطرافه ، فأنا أتخوف على أطراف سعد ، قالت وكان سعد رضي اللّه عنه من أعظم الناس وأطولهم ، فمر وهو يرتجز ويقول [ رجز ] : لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل * ما أحسن الموت إذا حان الأجل « 2 » قالت : فقمت فاقتحمت حديقة ، فإذا فيها نفر من المسلمين ، وإذا فيها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وفهيم رجل عليه تسبغة له ، تعني المغفر ، فقال عمر رضي اللّه عنه : ما جاء بك ؟ لعمري واللّه إنك لجريئة ، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز ؟ قالت : فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ ، فدخلت فيها ، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه ، فإذا هو طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه ، فقال : يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم ، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى اللّه تعالى ؟ قالت : ورمى سعدا رضي اللّه عنه رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له ، وقال له : خذها وأنا ابن العرقة ، فأصاب أكحله فقطعه ، فدعا اللّه تعالى سعد رضي اللّه عنه فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة ، قالت : وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية ، قالت : فرقأ كلمه وبعث اللّه تعالى الريح على المشركين وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة ، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد ، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم ، ورجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد رضي اللّه عنه في المسجد ، قالت : فجاءه جبريل عليه السلام وإن على ثناياه لنقع الغبار ، فقال : أوقد وضعت السلاح ؟ لا واللّه ما وضعت الملائكة بعد السلاح ، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم . قالت : فلبس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأمته ، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا ، فمر على بني تميم وهم جيران المسجد ، فقال « من مر بكم ؟ » قالوا : مر بنا دحية الكلبي ، وكان دحية الكلبي يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل عليه الصلاة والسلام ، فأتاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة ، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء ، قيل لهم انزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر ، فأشار إليهم إنه الذبح ، قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ

--> ( 1 ) المسند 6 / 141 ، 142 . ( 2 ) الرجز لحمل بن سعدانة بن عليم العليمي في تاج العروس ( حمل ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( حمل )