ابن كثير

323

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وملك الموت يطوف به كل يوم مرتين . وقال كعب الأحبار : واللّه ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه ، رواه ابن أبي حاتم . وقوله تعالى : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 12 إلى 14 ] وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة وقالهم حين عاينوا البعث وقاموا بين يدي اللّه عز وجل ، حقيرين ذليلين ناكسي رؤوسهم ، أي من الحياء والخجل يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك ، كما قال تعالى : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا [ مريم : 38 ] وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك : 10 ] وهكذا هؤلاء يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا أي إلى دار الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ أي قد أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق ولقاءك حق ، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى دار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارا يكذبون بآيات اللّه ويخالفون رسله ، كما قال تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [ الأنعام : 27 - 29 ] الآية ، وقال هاهنا وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها كما قال تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ] وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي من الصنفين فدارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها ، نعوذ باللّه وكلماته التامة من ذلك ، فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ : ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به واستبعادكم وقوعه وتناسيكم له إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له إِنَّا نَسِيناكُمْ أي سنعاملكم معاملة الناسي ، لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء ، بل من باب المقابلة كما قال تعالى : الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [ الجاثية : 34 ] وقوله تعالى : وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بسبب كفركم وتكذيبكم ، كما قال تعالى في الآية الأخرى لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً - إلى قوله - فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [ النبأ : 24 - 30 ] .