ابن كثير

32

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

نفسي ، فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام عليك شهودا ، فيختم على فيه ويقال لأركانه : انطقي فتنطق بعمله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل » « 1 » وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبيه ، عن عبد اللّه الأشجعي عن سفيان الثوري به ، ثم قال النسائي : لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي ، وهو حديث غريب ، واللّه أعلم ، هكذا قال ، وقال قتادة : ابن آدم ، واللّه إن عليك لشهودا غير متهمة في بدنك ، فراقبهم واتق اللّه في سرك وعلانيتك ، فإنه لا يخفى عليه خافية ، الظلمة عنده ضوء ، والسر عنده علانية ، فمن استطاع أن يموت وهو باللّه حسن الظن فليفعل ولا قوة إلا باللّه . وقوله تعالى : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ قال ابن عباس دِينَهُمُ أي حسابهم وكل ما في القرآن دينهم أي حسابهم ، وكذا قال غير واحد ، ثم إن قراءة الجمهور بنصب الحق على أنه صفة لدينهم ، وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة ، وقرأها بعض السلف في مصحف أبيّ بن كعب : يومئذ يوفيهم اللّه دينهم الحق ، وقوله وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ أي وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه . [ سورة النور ( 24 ) : آية 26 ] الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 26 ) قال ابن عباس : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول . والطيبات من القول للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من القول - قال - ونزلت في عائشة وأهل الإفك ، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن بن أبي الحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت ، والضحاك ، واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس ، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس ، فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به ، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم ، ولهذا قال تعالى : أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ « 2 » وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال . والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء ، وهذا أيضا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم ، أي ما كان اللّه ليجعل عائشة زوجة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر ، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعا ولا قدرا ، ولهذا قال تعالى : أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 17 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 9 / 293 .