ابن كثير
301
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين ، كما قال تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [ البقرة : 233 ] الآية ، ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، لأنه قال في الآية الأخرى وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارا ، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه ، كما قال تعالى : وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [ الإسراء : 24 ] ولهذا قال أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبد اللّه بن أبي شيبة ومحمود بن غيلان قالا : حدثنا عبيد اللّه ، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب قال : قدم علينا معاذ بن جبل ، وكان بعثه النبي صلى اللّه عليه وسلم فقام فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : إني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليكم أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرا ، وإن المصير إلى اللّه إلى الجنة أو إلى النار إقامة فلا ظعن ، وخلود فلا موت . وقوله وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما أي إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك ، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا ، أي محسنا إليهما ، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني المؤمنين ، ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . قال الطبراني في كتاب العشرة : حدثنا أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد ، حدثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند أن سعد بن مالك قال : أنزلت في هذه الآية وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما [ العنكبوت : 8 ] الآية ، قال : كنت رجلا برا بأمي ، فلما أسلمت قالت : يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت لتدعن دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي ، فيقال : يا قاتل أمه ، فقلت : لا تفعلي يا أمه ، فإني لا أدع ديني هذا لشيء . فمكثت يوما وليلة لم تأكل ، فأصبحت قد جهدت ، مكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل ، فأصبحت قد اشتد جهدها ، فلما رأيت ذلك قلت : يا أمه تعلمين واللّه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء ، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي ، فأكلت . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 16 إلى 19 ] يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 )