ابن كثير

280

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ثم قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ كقوله تعالى : وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ الحج : 65 ] وقوله إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [ فاطر : 41 ] . وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا اجتهد في اليمين يقول : لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره ، أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها ، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسماوات ، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم ، ولهذا قال تعالى : ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ كما قال تعالى : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 52 ] وقال تعالى : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات : 13 - 14 ] وقال تعالى : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [ يس : 53 ] . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 26 إلى 27 ] وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 26 ) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 ) يقول تعالى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ملكه وعبيده كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي خاضعون خاشعون طوعا وكرها . وفي حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا « كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة » « 1 » وقوله وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : يعني أيسر عليه ، وقال مجاهد : الإعادة أهون عليه من البداءة ، والبداءة عليه هينة ، وكذا قال عكرمة وغيره . وروى البخاري « 2 » : حدثنا أبو اليمان : أخبرنا شعيب ، أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « قال اللّه كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ اللّه ولدا ، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد » انفرد بإخراجه البخاري ، كما انفرد بروايته أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به . وقد رواه الإمام أحمد منفردا به عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة : حدثنا أبو يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بنحوه أو مثله . وقال آخرون : كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء . وقال العوفي عن ابن عباس : كل عليه هين ، وكذا قاله الربيع بن خثيم ، ومال إليه ابن جرير وذكر عليه شواهد كثيرة ، قال : ويحتمل أن يعود الضمير في قوله وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ إلى الخلق ، أي وهو أهون على الخلق .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 75 . ( 2 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 112 ، باب 1 ، 2 ، وأخرجه أيضا أحمد في المسند 2 / 350 .