ابن كثير
277
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
والأرض ، ثم قال تعالى : وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ فالعشاء هو شدة الظلام ، والإظهار قوة الضياء ، فسبحان خالق هذا وهذا ، فالق الإصباح ، وجاعل الليل سكنا ، كما قال تعالى : وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [ الشمس : 3 - 4 ] وقال تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [ الليل : 1 - 2 ] وقال تعالى : وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [ الضحى : 1 - 2 ] والآيات في هذا كثيرة . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا زبّان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « ألا أخبركم لم سمى اللّه إبراهيم خليله الذي وفي ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : سبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون ، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون » وقال الطبراني : حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي ، حدثنا عبد اللّه بن صالح ، حدثني الليث بن سعيد بن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه ، عن عبد اللّه بن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « ومن قال حين يصبح سبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون ، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون ، الآية بكمالها أدرك ما فاته في يومه ، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته » إسناد جيد ورواه أبو داود « 2 » في سننه . وقوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة ، وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط ، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها ، ليدل خلقه على كمال قدرته ، فمن ذلك إخراج النبات من الحب والحب من النبات ، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض ، والإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان ، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن وقوله تعالى : وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ - إلى قوله - وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ [ يس : 33 - 34 ] وقال تعالى : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ - إلى قوله - وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ الحج : 5 - 7 ] وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا - إلى قوله - لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الأعراف : 57 ] ولهذا قال هاهنا وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ( 20 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 )
--> ( 1 ) المسند 3 / 439 . ( 2 ) كتاب الأدب باب 101 .