ابن كثير
271
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
شهريراز : إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا ، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت ، ثم أمر أخي أن يقتلني وقد خلعناه جميعا ، فنحن نقاتله معك . قال : قد أصبتما ، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين ، فإذا جاوز اثنين فشا ، قال : أجل ، فقتلا الترجمان جميعا بسكينيهما ، فأهلك اللّه كسرى ، وجاء الخبر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الحديبية ، ففرح والمسلمون معه « 1 » . فهذا سياق غريب وبناء عجيب . ولنتكلم عن كلمات هذه الآيات الكريمة ، فقوله تعالى : ألم غُلِبَتِ الرُّومُ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة البقرة ، وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم ، وهم أبناء عم بني إسرائيل ، ويقال لهم بنو الأصفر ، وكانوا على دين اليونان ، واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك ، وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة ، ويقال لها المتحيرة ، ويصلون إلى القطب الشمالي ، وهو الذين أسسوا دمشق ، وبنوا معبدها ، وفيه محاريب إلى جهة الشمال ، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة . وكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له قيصر ، فكان أول من دخل في دين النصارى من الملوك . قسطنطين بن قسطس وأمه مريم الهيلانية الشدقانية من أرض حران ، كانت قد تنصرت قبله ، فدعته إلى دينها ، وكان قبل ذلك فيلسوفا فتابعها ، يقال تقية ، واجتمعت به النصارى وتناظروا في زمانه مع عبد اللّه بن أريوس ، واختلفوا اختلافا منتشرا متشتتا لا ينضبط ، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ، فوضعوا لقسطنطين العقيدة ، وهي التي يسمونها الأمانة الكبيرة ، وإنما هي الخيانة الحقيرة ، ووضعوا له القوانين يعنون كتب الأحكام من تحريم وتحليل ، وغير ذلك مما يحتاجون إليه ، وغيروا دين المسيح عليه السلام ، وزادوا فيه ونقصوا منه ، فصلوا إلى المشرق ، واعتاضوا عن السبت بالأحد ، وعبدوا الصليب وأحلوا الخنزير ، واتخذوا أعيادا أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس وغير ذلك من البواعيث والشعانين ، وجعلوا له الباب ، وهو كبيرهم ، ثم البتاركة ، ثم المطارنة ، ثم الأساقفة والقساقسة ، ثم الشمامسة ، وابتدعوا الرهبانية ، وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد ، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية ، يقال إنه بنى في أيامه اثني عشر ألف كنيسة ، وبنى بيت لحم بثلاث محاريب ، وبنت أمه القمامة ، وهؤلاء هم الملكية يعنون الذين هم على دين الملك . ثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الإسكاف ، ثم النسطورية أصحاب نسطورا ، وهم فرق وطوائف كثيرة ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة » « 2 »
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 10 / 164 ، 165 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 1 ، وابن ماجة في الفتن باب 17 .