ابن كثير
262
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور : 13 - 16 ] . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 56 إلى 60 ] يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 58 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 ) هذا أمر من اللّه تعالى المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض اللّه الواسعة حيث يمكن إقامة الدين ، بأن يوحدوا اللّه ويعبدوه كما أمرهم ، ولهذا قال تعالى : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثني جبير بن عمرو القرشي ، حدثني أبو سعد الأنصاري عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام عن الزبير بن العوام قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « البلاد بلاد اللّه ، والعباد عباد اللّه ، فحيثما أصبت خيرا فأقم » ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها ، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك ، فوجدوا خير المنزلين هناك : أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه اللّه تعالى ، فآواهم وأيدهم بنصره ، وجعلهم سيوما ببلاده « 2 » ، ثم بعد ذلك هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والصحابة الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة . ثم قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ أي أينما كنتم يدرككم الموت ، فكونوا في طاعة اللّه وحيث أمركم اللّه ، فهو خير لكم ، فإن الموت لا بد منه ولا محيد عنه ، ثم إلى اللّه المرجع والمآب ، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء ، ووافاه أتم الثواب ولهذا قال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن ، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا خالِدِينَ فِيها أي ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ نعمت هذه الغرف أجرا على أعمال المؤمنين الَّذِينَ صَبَرُوا أي على دينهم . وهاجروا إلى اللّه ونابذوا الأعداء ، وفارقوا الأهل والأقرباء ابتغاء وجه اللّه ورجاء ما عنده وتصديق موعوده . وقال ابن أبي حاتم رحمه اللّه : حدثنا أبي ، أخبرنا صفوان المؤذن ، أخبرنا الوليد بن مسلم ، أخبرنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام الأسود ، حدثني أبو معاوية الأشعري أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حدثه أن في الجنة غرفا يرى
--> ( 1 ) المسند 1 / 166 . ( 2 ) جعلهم سيوما ببلاده : أي جعلهم آمنين .