ابن كثير

259

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

« ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » « 1 » وفي حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم يقول اللّه تعالى : « إني مبتليك ومبتل بك ، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظانا » « 2 » أي لو غسل الماء المحل المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل ، لأنه قد جاء من الحديث الآخر « لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار » « 3 » ولأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة ، مهيمن على القلوب ، معجز لفظا ومعنى ، ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذه الأمة أناجيلهم في صدورهم . واختار ابن جرير « 4 » : أن المعنى في قوله تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا ، ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب ، ونقله عن قتادة وابن جريج ، وحكى الأول عن الحسن البصري فقط ، قلت وهو الذي رواه العوفي عن ابن عباس ، وقاله الضحاك وهو الأظهر واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ أي ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون ، أي المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 96 - 97 ] . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 50 إلى 52 ] وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 52 ) يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات ، يعنون ترشدهم إلى أن محمدا رسول اللّه كما أتى صالح بناقته ، قال اللّه تعالى : قُلْ يا محمد إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي إنما أمر ذلك إلى اللّه ، فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم ، لأن هذا سهل عليه يسير لديه ، ولكنه يعلم منكم أنكم إنما قصدتم التعنت والامتحان ، فلا يجيبكم إلى ذلك ، كما قال تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها [ الإسراء : 59 ] .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 1 ، وفضائل القرآن باب 1 ، ومسلم في الإيمان حديث 239 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 63 ، وأحمد في المسند 4 / 162 . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 151 ، 155 . ( 4 ) تفسير الطبري 10 / 153 .