ابن كثير

256

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 46 ] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) قال قتادة وغير واحد : هذه الآية منسوخة بآية السيف ، ولم يبق معهم مجادلة ، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف . وقال آخرون : بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين ، فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أنجع فيه ، كما قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ النحل : 125 ] الآية ، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] وهذا القول اختاره ابن جرير ، وحكاه عن ابن زيد . وقوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي حادوا عن وجه الحق ، وعموا عن واضح المحجة ، وعاندوا وكابروا ، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم ، قال اللّه عز وجل : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ - إلى قوله - إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحديد : 25 ] قال جابر : أمرنا من خالف كتاب اللّه أن نضربه بالسيف ، قال مجاهد إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني أهل الحرب ، ومن امتنع منهم من أداء الجزية . وقوله تعالى : وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه ، فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقا ، ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلا ، ولكن نؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط وهو أن يكون منزلا لا مبدلا ولا مؤولا . قال البخاري رحمه اللّه : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد ، ونحن له مسلمون » وهذا الحديث تفرد به البخاري « 1 » . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عثمان بن عمرو ، أخبرنا يونس عن الزهري ، أخبرني ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جاءه رجل من اليهود ، فقال : يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللّه أعلم » قال اليهودي : أنا أشهد أنها تتكلم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا باللّه وكتبه ورسله ، فإن كان حقا لم تكذبوهم ، وإن كان باطلا لم تصدقوهم » . ( قلت ) وأبو نملة هذا هو عمارة . وقيل عمار ، وقيل عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري

--> ( 1 ) كتاب الشهادات باب 29 ، وتفسير سورة 2 ، باب 1 ، والاعتصام باب 25 ، والتوحيد باب 51 . ( 2 ) المسند 4 / 136 .