ابن كثير

249

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

إبراهيم ، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم ، فقام في ملئهم مبشرا بالنبي العربي القرشي الهاشمي خاتم الرسل على الإطلاق ، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، الذي اصطفاه اللّه من صميم العرب العرباء من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه ، عليه أفضل الصلاة والسلام . وقوله : وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي جمع اللّه له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة ، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني ، والمنزل الرحب ، والمورد العذب ، والزوجة الحسنة الصالحة ، والثناء الجميل ، والذكر الحسن ، وكل أحد يحبه ويتولاه ، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم : مع القيام بطاعة اللّه من جميع الوجوه ، كما قال تعالى : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 32 ] أي قام بجميع ما أمر به وكمل طاعة ربه ، ولهذا قال تعالى : وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وكما قال تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - إلى قوله - وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ النحل : 120 - 122 ] . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 28 إلى 30 ] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ( 28 ) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 29 ) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ( 30 ) يقول تعالى مخبرا عن نبيه لوط عليه السلام ، أنه أنكر على قومه سوء صنيعهم ، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال في إتيانهم الذكران من العالمين ، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم ، وكانوا مع هذا يكفرون باللّه ويكذبون رسله ، ويخالفون ويقطعون السبيل ، أي يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ أي يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها ، لا ينكر بعضهم على بعض شيئا من ذلك ، فمن قائل كانوا يأتون بعضهم بعضا في الملأ ، قاله مجاهد ، ومن قائل كانوا يتضارطون ويتضاحكون ، قالته عائشة رضي اللّه عنها والقاسم ، ومن قائل كانوا يناطحون بين الكباش ويناقرون بين الديوك ، وكل ذلك يصدر عنهم وكانوا شرا من ذلك . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا حماد بن أسامة ، أخبرني حاتم بن أبي صغيرة ، حدثنا سماك بن حرب عن أبي صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ قالت : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى : وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قال « يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم ، وذلك

--> ( 1 ) المسند 6 / 341 .