ابن كثير

216

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

حاضرا لذلك ، ولكن اللّه أوحاه إليك ، وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه ، وما كان من إنجاء اللّه له وإغراق قومه ، ثم قال تعالى : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [ هود : 49 ] الآية ، وقال في آخر السورة ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ [ هود : 100 ] وقال بعد ذكر قصة يوسف ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [ يوسف : 102 ] الآية ، وقال في سورة طه : كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ [ طه : 99 ] الآية . وقال هاهنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها ، وكيف كان ابتداء إيحاء اللّه إليه وتكليمه له وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ يعني ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم اللّه موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ لذلك ولكن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك ، ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدها ، ونسوا حجج اللّه عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين . وقوله تعالى : وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا أي وما كنت مقيما في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قال لقومه وما ردوا عليه وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك وأرسلناك إلى الناس رسولا وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه : أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا عيسى بن يونس عن حمزة الزيات عن الأعمش ، عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال : نودوا أن : يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وأجبتكم قبل أن تدعوني ، وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث جماعة عن حمزة وهو ابن حبيب الزيات ، عن الأعمش . ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى عن الأعمش ، عن علي بن مدرك عن أبي زرعة وهو ابن عمرو بن جرير أنه قال ذلك من كلامه ، واللّه أعلم . وقال مقاتل بن حيان وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت . وقال قتادة وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى وهذا - واللّه أعلم - أشبه بقوله تعالى : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ ثم أخبر هاهنا بصيغة أخرى أخص من ذلك وهو النداء ، كما قال تعالى : وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى [ الشعراء : 10 ] وقال تعالى : إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [ النازعات : 16 ] وقال تعالى : وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا [ مريم : 52 ] . وقوله تعالى : وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي ما كنت مشاهدا لشيء من ذلك ، ولكن اللّه تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك وبالعباد وبإرسالك إليهم لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ