ابن كثير

211

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أبي عبيدة عن عبد اللّه قال : رأيت الشجرة التي نودي منها موسى عليه السلام سمرة خضراء ترف ، إسناده مقارب . وقال محمد بن إسحاق عن بعض من لا يتهم عن وهب بن منبه قال : شجرة من العليق ، وبعض أهل الكتاب يقول إنها من العوسج . وقال قتادة : هي من العوسج ، وعصاه من العوسج . وقوله تعالى : أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين الفعال لما يشاء لا إله غيره ولا رب سواه ، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله سبحانه . وقوله : وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ أي التي في يدك كما قرره على ذلك في قوله تعالى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؟ قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [ طه : 17 - 18 ] والمعنى أما هذه عصاك التي تعرفها ألقها فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى فعرف وتحقق أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء : كن فيكون ، كما تقدم بيان ذلك في سوره طه ، وقال هاهنا : فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ أي تضطرب كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً أي في حركتها السريعة مع عظم خلقتها وقوائمها ، واتساع فمها واصطكاك أنيابها وأضراسها ، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها ، تنحدر في فيها تتقعقع كأنها حادرة في واد فعند ذلك وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ أي ولم يكن يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ذلك ، فلما قال اللّه له : يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ رجع فوقف في مقامه الأول ، ثم قال اللّه تعالى : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها ، فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق ، ولهذا قال : مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي من غير برص . وقوله تعالى : وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قال مجاهد : من الفزع ، وقال قتادة : من الرعب . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن جرير : مما حصل لك من خوفك من الحية ، والظاهر أن المراد أعم من هذا ، وهو أنه أمر عليه السلام إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب وهو يده ، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف ، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على فؤاده ، فإنه يزول عنه ما يجده أو يخف إن شاء اللّه تعالى وبه الثقة . قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ صالح ، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد اللّه بن مسلم عن مجاهد قال : كان موسى عليه السلام قد ملئ قلبه رعبا من فرعون ، فكان إذا رآه قال : اللهم إني أدرأ بك في نحره ، وأعوذ بك من شره ، فنزع اللّه ما كان في قلب موسى عليه السلام ، وجعله في قلب فرعون ، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار . وقوله تعالى : فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ يعني إلقاء العصا وجعلها حية تسعى وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء ، دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار ،